ابن يعقوب المغربي
181
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
الأمور وقصد من ذلك الأمر القدر الذي اشتركا فيه واستويا فيه ، ولم يقصد ما ازداد به أحدهما على الآخر في ذلك الأمر وإن كانت تلك الزيادة موجودة في نفس الأمر ، إما لاقتضاء المقام المبالغة في ادعاء التساوي ، وإما لأن الغرض وجود أصل الاشتراك فيلغى الزائد إن كان فتحقق التساوي في المراد بين الطرفين ( فالأحسن ) حيث كان القصد الجمع المذكور ( ترك التشبيه ) بأن يعدل عن صيغته ( إلى الحكم بالتشابه ) بأن يؤتى بما يدل على التشابه والتساوي ، وذلك بأن يعبر بالتفاعل المقتضى لحصول مدلوله من الجانبين فيكون كل من الأمرين مشبها ومشبها به ، فلا يكون من التشبيه السابق المقتضى لتعين المشبه من المشبه به ، قيل : وشرط ذلك كون الفعل لازما كتشابها وتماثلا ، وأما إن كان متعديا أفاد التشبيه كيشبه كذا أو يماثل كذا ، وإنما يعدل إلى الحكم بما يدل على التماثل لكونه هو المدعى ، والمراد ( احترازا من ترجيح أحد المتساويين ) في ذلك الأمر المشترك فيه حتى صار به كل منهما مشبها ومشبها به فلا مرجح وهو باطل ، والاحتراز عن الترجيح الباطل يقتضى ترك صيغة التشبيه كما ذكرنا ، إذ لو أتى بصيغة التشبيه أفاد ترجيح أحدهما فيه وهو ينافي المدعى المقصود فلذلك يعدل إلى ما يدل على التساوي والتشابه ( كقوله : تشابه دمعي إذ جرى " 1 " ) أي : وقت جريانه من عيني ( ومدامتى ) والمدامة الخمر ( فمن مثل ما ) أي : الخمر الذي ( في الكأس ) ، وهو إناء يشرب فيه الخمر ، ( عيناي تسكب ) ، وسكب الدمع إرساله وإرسال العين من مثل ما في الكأس يحتمل أن يكون على معنى التماثل الحقيقي فيطابق قوله : تشابه دمعي ومدامتى وقوله : ( فو اللّه ما أدرى أبا لخمر أسبلت جفونى ) ، أي : هطلت ( أم ) من ( عبرتي ) أي : دمعي ( كنت أشرب ) ، ويحتمل أن يكون على معنى تشبيه الدمع بالخمر ؛ لأن العدول إلى التشابه بعد قصد التسامح لا يجب كما دل عليه قوله ، فالأحسن ترك التشبيه ، وسيأتي وجه ارتكاب التشبيه فيما كان كذلك ، فالشاعر هنا لما اعتقد التساوي بين الدمع والخمر لادعائه كثرة الدمع حين قصد الشرب وصفاء الخمر
--> ( 1 ) البيت لأبى إسحاق الصابى في الإشارات ص ( 190 ) ، الأسرار ص ( 156 ) ، والتبيان ص ( 276 ) بتحقيق د . عبد الحميد هنداوى .